الأربعاء، 15 يناير 2014

قرابة الدم الفصل السادس

الفصل السادس : في مؤتمر سيمامار
  
في اليوم الذي سيقام فيه المؤتمر .. أستيقظ رضوان صباحًا , مشى إلى الحمام بخطوات صغيرة ومتسارعة كأنه قد كان ثملًا الليلة السابقة , من عادته أنه يستحم كل صباح , نزع بجامته ببطئ , ودخل لحوض الإستحمام .. بمجرد دخوله توهّم أنه رأى رسالة كانت مكتوبة معاذ .. قطّب على رأسه , مع أن سيمامار ذات طقس أقرب للحرارة غالبًا , إلا أن رضوان كان يستحم بماء حار .
خرج من الحمام , وأخذ المنشفة وكان يمسح على جسمه ورأسه , وقال في نفسه : اليوم هو اليوم !.
لبس رضوان بنطالًا أسود وقميص أبيض , فوقه معطف رسميّ أسود اللون , وربطة عنق..

خرج من الشقة التي وفّرتها شرطة سيمامار لأعضاء الفريق .. بالاضافة للمفتش ماجد ومساعده , أتجه رضوان لسيارته "إكسبلورر" لؤلؤية اللون , أتجه للمقر بصحبة الآنسة أصالة  والآنسة ماريا والمفتش ومساعده , بينما بقية أعضاء الفريق عدا حسين أتجهوا بسيارة أخرى خلف سيارة رضوان.
سألت أصالة ماري : لماذا أردتي أن تبيتِ تلك الليلة في شقة رضوان ؟ أمر غريب!
- عزيزتي , أنه أمر أكبر من أن أقوله الآن , ستعرفين لاحقًا ..
تنهّدت أصالة وقالت في ضجر : حسنًا ..
بعد برهة , كان ينظر رضوان من نافذة السيارة في الإبداع التكنولوجي والحضاري في سيمامار .. ثم نظر في المفتش وقال :
  هل جميع ملفّات قضية إلياس وباسل والرجل الذي وُجد بإحدى المقاهي الحقيرة موجودة ؟-
تنحنح مساعد المفتش وقال : عن أذنك يا سيد رضوان , جميعها موجودة , لكن هناك معلومات وحقائق قليلة عن آخر قضية ..
رد رضوان بإهتمام قائلًا : حسنًا , إحكِ لنا ما ورد في ملف القضية , لاشك أن لها صلة بقضيتنا ..
حكى مساعد المفتش ماكان يعرفه عن القضية .. وهو التالي
زمن الوفاة : الساعة 12 ونصف , 4 أغسطس
المكان : مقهى صغير في وسط بيلاجورشيا .
سبب الوفاة كان سم قاتل وُجد في القهوة التي كانت تشرب منها الضحية .. وكانت حالة الضحية ملقاة على جانبها الأيسر واليدان كانتا حول العنق ,  وكان هناك بعض الآثار حول الفم , والملابس كانت متسخة بالقهوة التي أنسكبت أثناء سقوط الضحية .. مع الذكر وجود رائحة لوزية بفم الضحية و..
قاطعه رضوان وقال : معاذ ! أنه معاذ ! معاذ شخص لا يحب القتل بالطرق التي تظهر الدماء الكثيرة , او التي فيها إزعاج .. شخص هادئ ! عرفت ذلك من أسلوبه بالكلام والقتل , لا شك أنه قتل من معاذ ! قلَ لي .. كيف كانت أوصافه الجسمية ؟
- كان ذو شعر أحمر نحاسي , أشهب اللون وطويل القامة .
فجأة تذكر رضوان ذلك الرجل الذي زاره في العيادة النفسية .. تتشابه تلك الأوصاف حقًا مع الأوصاف التي قالها مساعد المفتش ..
إبتسم رضوان : هكذا إذن .. هل هناك أي معلومات عنه ؟
- لا .. لكن أحد الندلة قد سمع بالصدفة أن الرجل الذي كان مع الضحية كان يناديه "مال" .. لا أعتقد أن هناك شخص أسمه مال..
-أي معلومات أخرى ؟
- لا .. بالإضافة أن شرطة بيلاجورشيا وجدت في الجيب الخلفي علبة سجائر من نوع "مالبورو" .. ليس شيئًا مثيرًا للإهتمام
- أصبت .

وصل رضوان والبقية للمبنى الذي سيقام فيه المؤتمر .. كان كبير جدًا وواسع , وكانت هناك ساحة كبيرة حول المبنى ..

بعد دخولهم المبنى , جلسوا على الطاولة , أعضاء الفريق والمفتش ومساعده والسيدة غادة وهي خالة إلياس .. وإمرأة شابة قصيرة تلبس نظارات وشعرها كان أشقر , ولها أنف صغير وأذانٍ صغيرة لطيفة , وهي أخت باسل الوحيدة .. كان أفراد الشرطة والمحققون والمهتمون بتلك القضية أمام الطاولة وجالسين على كراسي .
 بدأ رضوان بالكلام :
نبدأ بالجريمة الأولى , لدينا خالة إلياس السيدة غادة ولم نجد الكثير في مسرح الجريمة , سوى محفظة الضحية ورسالة تهديد , كان زمن الوفاة نصف يوم إلى يوم , نظرًا لتصلّب الفك .. بينما مكان وجود الضحية كان في طريق من نيوجدة لبيلاجورشيا .. في النفق الأول , وقد تم ذكر أسلوب القاتل في القتل , بأنه سيقتل شخص يبدأ بحرف الألف , وطريقة القتل ستبدأ بحرف الألف , في أول نفق , وكان سبب الوفاة هو إختناق , والدليل على صحة كلامي هو آثار خيط حول رقبة الضحية , بالنسبة لطريقة وضعه في النفق مجهولة حقًا , بالإضافة أن الشرطة وجدت الجثة بالصدفة , وكنت مارًا بتلك المنطقة وشدّني الفضول لأستكشف سبب وجود الشرطة , باشرت بتفحّص الجثة , قال لي أحد رجال الشرطة أن شرطيًا كان معهم ثم ذهب وقال لهم أن لا تفحصوا الجثة , ثم لم يعد .
إستراح رضوان قليلًا .. ثم شرب قليلًا من الماء وإستأنف كلامه :

بعد عدّة أيام , ذهبنا أنا وبعض من أعضاء فريقي الذي أنشأته إلى بيت خالة إلياس , السيدة غادة , وقد سألناها أن ندخل غرفة إلياس , وقد وجدنا فيها التالي : ساعة حائط – رف كتب – محاكي ألعاب – سلّة قمامة مليئة بالوجبات الخفيفة – خزانة ملابس متوسط الحجم – مكتب وإضاءة للدراسة - حاسب آلي – طابعة – قفاز شتوي جديد – سرير منفرد – علبة أدوية – ورقة بجانب النافذة مكتوب عليها بخط كبير " أ – 1 ".
هذا موجز عن القضية وعن الأشياء حول إلياس .. لكني إلى الآن لم أذكر شيء عن إلياس نفسه , سيدة غادة .. رجاءا أجيبِ عن سؤالي : من هو إلياس ؟ ماهي طباعه ؟ أي شخص من الأشخاص هو ؟ نريد حقائق بحكم معرفتك الكبيرة فيه , إذا سمحتِ يا سيدتي ..

- إلياس هو إبن أختي الوحيدة , شخص سيء جدًا , فض , أسلوبه بالتعامل جدًا سيء , ويرفع صوته ويصرخ بوجهي دائما , لكن أحيانا له جانب طيب وقلب كبير , لديه الكثير من الإصدقاء المزعجين , ويسافر معهم كثيرًا , أبواه رحّلان وقد تركاه ببيتي .. لم يكن يثق فينا , فأنه دائما يغسل ملابسه في إحدى المغاسل , ويأكل من الأكل المعلب أو الجاهز , أو يذهب للتخييم مع أصدقائه , لا يمكث كثيرًا هنا , كثير الخروج , يبيت ليلة أو ليلتين ثم يخرج لأسبوع أو أكثر .. يرفض طلباتي دائمًا .

أحد الحضور رفع يده قائلًا : لدي سؤال سيدة غادة !
قال رضوان : تفضل
 هل كانت هناك عداوات بينه وبين شخص ما ؟
-

 - لا أعرف حقًا , لكن مؤخرًا كان يرجع إلى البيت وهو غاضب ويقول عبارات مثل : " تبًا له " , " لماذا يتدخل في شؤوني " , "أنني أعرف مصلحة نفسي أكثر من ذلك الصبي" .. وأيضًا هناك أوراق كانت في سلة المهملات في غرفته .. كان مكتوب فيها أن صبي يدعى "حازم ميخاكيل" يتصل عليه ويحذّره من بعض أصدقاءه .. وكان من عادة إلياس كتابة ما يزعجه في ورقة ثم يلقي بها في سلة المهملات , تساعده هذه الحركة نفسيًا لتجاوز ما يزعجه ..

ثم بعد أقل من 5 أو 4 دقائق .. جاءت رسالة لرضوان في هاتفه النقّال من رقم مجهول .. كان محتوى الرسالة جعل من رضوان يبتسم إبتسامة خائفة وشاكّة .. " السر يبقى سر ولو كان سخيفًا " .. كانت من ذلك الصبي الذي أرسل لرضوان الرسالة التي تحتوي أسم معاذ .. أقفل رضوان جواله وكان يهم أن يبدأ بالنقاش وإستعراض الأدلة والحقائق حول الجريمة الثانية .. جريمة مال ..
فجأة ! دخل أحد رجل الشرطة وقال : السيد رضوان ؟ السيد رضوان ؟ هل من الممكن أن آخذ من وقتك قليلًا ؟ ه..هناك طفل يريدك !
رد رضوان بغضب : ماذا يريد مني صبي الآن ! وكيف دخل إلى هنا ؟ أخبره أننا بإجتماع !
- ل..لكن ياسيدي يقول أنه يعرف شخص يهمك جدًا .. هل أسمح له بالدخول ؟
رد رضوان : نعم .. فليدخل
بعد أقل من نصف دقيقة .. دخل شخص بعمر الخمسين سنة أو الواحد وخمسين سنة , ويجر عربة من تلك العربات المخصصة لنقل المعاقين .. وكان الصبي جالسًا عليها .. يلبس لبسًا رسميًا وربطة عنق صفراء , كان مظهره كمظهر طفل بعمر السبع سنوات إلى العشر سنوات .. قال بصوت واثق :
- تشرفنا , سيد رضوان , أنا حازم ميخاكيل , الأخ الأكبر لمعاذ ميكاخيل , سررت بلقائك , إذا سمحت ا تسألني كيف هو مظهري , لكني الأخ الأكبر . هذا هو مساعدي في جمع البيانات والتحليل النفسي والذي يجر عربتي , السيد إدوارد , أجنبي , سبب مجيئي هنا للقائك وتقديم بعض المعلومات المهمة , لكن أعتذر عن إعطائي أي حقائق أو أدلة أو معلومة أمام الآخرين , سأجلس هنا للإستماع وأخذ ملفات القضية وطلبي للإنضمام بالفريق الذي يحقق حول أخي معاذ ..

إبتسم رضوان ورد قائلًا :
- يا أيها الشقي , هناك عدة أشياء أريد سؤالك عنها , تفضل أنت ومساعدك بالجلوس , سأكمل ما كنت أريد بدأه .
أخذ رضوان نفس عميق , ثم بدأ كلامه عن القضية الثانية , قضية مال :

- هذه الجريمة كانت بلا شك من فعل معاذ , تم قتل شخص يدعى " مال " في إحدى مقاهي بيلاجورشيا , بفعل سم قاتل وأغلب الظن أنه سيانيد البوتاسيوم , كان في القهوة التي يحتسيها مع القاتل , الذي لا شك أنه معاذ , كانت الوفاة الساعة الثانية عشر ونص صباحًا في الرابع من أغسطس , في مقهى رديئ في وسط بيلاجورشيا , ووجدنا مع " مال " فقط علبة سجائر من نوع مالبورو .. وكانت حالة الجثة مستلقي على جانبه وممسكًا رقبته , بينما كانت أوصافه كالآتي : طوله 184 سم , أشهب البشرة , لون شعره كان نحاسي اللون ,  لم تكن ملامحه أقرب إلى مواطن , أعتقد أنه كان جاسوسًا أو أجنبي .
أحد المحققين رفع يده وقال : لماذا تظن أن القاتل هو معاذ ؟ ولو كان هو , أليس المفترض أن يقتله داخل نفق أو ما شابه ؟
رد رضوان  :
- إحتمال كبير أنه معاذ , بحسب معرفتي الشخصية بمعاذ فإنه ..
قاطع حازم كلامه وقال :
- فأنه لا يحب طرق القتل التي تحوي الدماء , فهو مصاب برهاب الدم , أيضًا , بحكم أنه شخص هادئ ويحب الهدوء وبارد , فأنه لا تعجبه طرق القتل من خلال تفجير أو الطلق بعيار ناري أو أي طريقة تحدث إزعاج , ويحب البساطة في القتل , كالقتل بالسم , أو القتل بالخنق حتى الموت ..  لكن هناك تناقض ما ,  إذا لم يجد طريقة لقتل شخص بحرف معين إلا طريقة لا يحبها , ماذا سيفعل ؟ , أعتقد أن سيرسل شخص ما ليقتله , أو يناقض نفسه لكي يُنجز العمل ..

إندهش رضوان وقال بحزم :
- صحيح هذا ما كنت أريد قوله , لكن رجاءًا إستأذن عندما تريد قطع كلامي مرة أخرى.

ضحك حازم وقال :
- آسف , لكن كنت ستقول نفس الكلام الذي قلته للتو , صحيح ؟
- نعم .. سأبدأ بالجريمة الأخيرة , وبصراحة لا أقوى أن أشرح ماكان فيها , سأجعل مساعدتي الآنسة أصالة تقرأ ملف القضية , ورأيي الشخصي فيها .
أعطى رضوان أصالة عدة أوراق وطلبها أن تقرأها
نظرت أصالة في رضوان وقالت بصوت خافت :
- لم نتفق على هذا , هل تقول أنني سأقرأ عليهم هذا النص ؟ أنا لا أجيد فن الإلقاء !
جلس رضوان وكأنه لم يسمع شيئًا , يعرف أنه إذا رد عليها سترفع صوتها وسيصبحان أضحوكة للحاضرين .. ضربت أصالة مكبر الصوت لتختبر إن كان يعمل أم لا .. ثم قرأت ما كان مكتوب على الورقة :

- "الجريمة كانت لا شك بفعل معاذ , وكان النفق الثاني مكان الجريمة , وكان أسم الضحية باسل , وأيضا سبب الوفاة هو "بوتاسيوم" ,  الشخص الوحيد الذي كان مع القتيل هي إلينا , وهي أحد أعضاء الفريق , سأفصّل ماجرى بإختصار : جاءت لنا رسالة كانت من معاذ عن اليوم الموعود لقتل الضحية الثانية الغير معروفة , وقد تأهب جميع أفراد الفريق , وكان التاريخ وقتها هو 8 من أغسطس , ودقّت الساعة التاسعة تمامًا , وذهبت إلينا مع باسل داخل النفق الثاني للتفتيش ما إذا كانت هناك جثة .. فلم يجدو شيئًا , ثم حسب ما قالت الآنسة إلينا , ذهبا ليشترن بعض الكعك والقهوة , ظنًا منهم أن معاذ أخلف ما كتبه بالرسالة , فأشترى كلًا منهم قهوة وبعض الكعك لأعضاء الفريق .. ورجعوا للمكان الذي كانا ينتظران فيه قبل الساعة 9 , وتقول إلينا أنه فتح غطاء الكوب الورقي ووضع السكر ونسي تحريكه وأغلق الكوب , فشرب ولاحظ لاحقًا أن القهوة مرّة , ففتح الغطاء مرة أخرى وحرّك السكر بالعود الخشبي , فشرب منه وإختنق ومات .
بعد الفحص الجنائي وصل تقرير بأن تم وضع البوتاسيم في العود الخشبي , وأنه لم يكن مفرغًا من الهواء , نظن أن معاذ كان على هيئة البائع الذي أُحتجز من أشخاص مجهولين , ونحن متأكدون بما يقارب 90% أنهم أعوان لمعاذ , تقول إلينا أن باسل لاحظ أن الكيس الذي كان يوجد بداخله العود الخشبي لم يكن مفرغًا من الهواء .. إذًا فالإستنتاج الذي وضعه رضوان صحيح ! .
ووجدت الشرطة البائع الحقيقي مربّطًا أسفل وادي في الطريق من نيوجدة إلى بيلاجورشيا .. وقد تم سؤاله عن أوصاف الأشخاص الذين تم إختطافهم , وقد حاولنا معه كثيرًا , إلّا أنه لم يجب , إتضح لنا أن حينما أختطفوه قد فقد عقله بطريقة ما , وأصبح مجنونًا ومختلًا نفسيًا , ولم نكن لنفعل شيئًا له سوى وضعه في المصحّة النفسية والعقلية .."

هذا ما كان مكتوب في ملف القضية حلّ القليل من الصمت لبرهة من الزمن..

رفع شخص يده وقال :
 
ثم
- هل لي بسؤال ؟ للآنسة ألينا .
قالت ألينا :
- تفضل
- ماهي أوصاف البائع أو الشخص الذي تظنونه معاذ ؟
تنحنحت ألينا وقالت :
- لقد كان يلبس ملابس البيع الخاصة بذلك المحل , وكان أسمه إن لم يخب ظني هو " دار القهوة " , شعره أبيض وطويل , ويلبس نظارات , ووسيم إلى حدٍ ما .. أقدّر طوله حوالي من 177 سم إلى 180 سم .. يملك عيون رمادية , وأبيض البشرة ولكن ليس لدرجة الشُهب , لم يكن ضخم , إنما نحيل جدًا .. ويتكلم بأسلوب لبِق .. ملامحه أقرب إلى ملامح الشرق أوروبيين ..

" إنتهى الفصل السادس "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق